عبد الرحمن السهيلي

93

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

إلى الباري سبحانه ، فإنها حقيقة نحو قول أم سلمة لعائشة : بعين الله مهواك ، وعلى رسول الله تردين ؟ وفي التنزيل : « ولِتصْنَعَ على عيني » وقد أملينا في المسائل المفردات : مسألة في هذا المعنى ، وفيها الرد على من أجاز التثنية في العين مع إضافتها إلى الله تعالى ، وقاسها على اليدين ، وفيها الرد على من احتج بقول النبي عليه السلام : إن ربكم ليس بأعور ، وأوردنا في ذلك ما فيه شفاء ، وأتبعناه بمعان بديعة في معنى عور الدجال ، فلينظر هنالك . عيسى كلمة الله وروحه : وقول جعفر في عيسى : هو روح الله وكلمته ، ومعنى : كلمته أي : قال له ، كما قال لآدم حين خلقه من تراب ، ثم قال له : كن فيكون ، ولم يقل : فكان ، لئلا يتوهم وقوع الفعل بعد القول بيسير ، وإنما هو واقع للحال ، فقوله : فيكون مشعر بوقوع الفعل في حال القول ، وتوجه الفعل بيسير على القول ، لا يمكن مستقدم ولا مستأخر ، فهذا معنى الكلمة ، وأما روح الله ؛ فلأنه نفخة روح القدس في جيب الطاهرة المقدسة ، والقدس : الطهارة من كل ما يشين ، أو يعيب ، أو تقذره نفس ، أو يكرهه شرع ، وجبريل : روح القدس ، لأنه روح لم يخلق من مني ، ولا صدر عن شهوة ، فهو مضاف إلى الله سبحانه إضافة تشريف وتكريم ؛ لأنه صادر عن الحضرة المقدسة ، وعيسى عليه السلام صادر عنه ، فهو : روح الله على هذا المعنى ؛ إذ النفخ قد يسمى : روحاً أيضاً ، كما قال غيلان بن عقبة ذو الرمة يصف النار : فقلت له : ارفعها إليك ، وأحيها * بروحك ، واقدرها لها قيتةً بدرا وأضف هذا الكلام في روح القدس ، وفي تسمية النفخ روحاً إلى ما ذكرناه قبل في حقيقة الروح ، وشرح معناه فإنه تكملة له . حديث عائشة عن النجاشي : فصل : وذكر حديث عائشة عن النجاشي حين رد الله عليه ملكه ، وأن قومه كانوا باعوه ، فلما مرج أمر الحبشة ، أخذوه من سيده واستردوه . وظاهر الحديث يدل على أنهم أخذوه منه قبل أن يأتي به بلاده لقوله : خرجوا في طلبه ، فأدركوه ، وقد بين في حديث آخر أن سيده كان من العرق وأنه استعبده طويلاً ، وهو الذي يقتضيه قوله : فلما مرج على الحبشة أمرهم ، وضاق عليهم ما هم فيه ، وهذا يدل على طول المدة في مغيبه عنهم ، وقد روي أن وقعة بدر حين انتهى خبرها إلى النجاشي علم بها قبل من عنده من المسلمين ، فأرسل إليهم ، فلما دخلوا عليه إذا هو قد لبس مسحاً ، وقعد على التراب والرماد ، فقالوا له : ما هذا أيها الملك ؟ ! فقال : إنا نجد في الإنجيل أن الله سبحانه إذا أحدث بعبده ، وجب على العبد أن يحدث لله تواضعاً ، وإن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة ، وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بواد يقال له : بدر كثير الأراك ، كنت أرعى فيه الغنم على سيدي ، وهو من بني ضمرة ، وأن الله قد هزم أعداءه فيه ، ونصر دينه ، فدل هذا الخبر على طول مكثه في بلاد العرب ، فمن هنا والله أعلم تعلم من